الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
192
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الغيبة - على أن يكون ممّا أخبر اللّه به رسوله صلى اللّه عليه وسلم ليبلّغه إليهم . والفتيل تقدم آنفا عند قوله تعالى : بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا [ النساء : 49 ] . وجملة : أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ يجوز أن تكون من تمام القول المحكي بقوله : قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ . وإنّما لم تعطف على جملة : مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ لاختلاف الغرضين ، لأنّ جملة مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وما عطف عليها تغليط لهم في طلب التأخير إلى أجل قريب ، وجملة : أَيْنَما تَكُونُوا إلخ مسوقة لإشعارهم بأنّ الجبن هو الذي جملهم على طلب التأخير إلى أمد قريب ، لأنّهم توهّموا أنّ مواقع القتال تدني الموت من الناس . ويحتمل أن يكون القول قد تمّ ، وأنّ جملة أَيْنَما تَكُونُوا توجّه إليهم بالخطاب من اللّه تعالى ، أو توجّه لجميع الأمّة بالخطاب ، فتكون على كلا الأمرين معترضة بين أجزاء الكلام . و ( أينما ) شرط يستغرق الأمكنة ( ولو ) في قوله : وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ وصلية - وقد تقدّم تفصيل معناها واستعمالها عند قوله : - في سورة آل عمران [ 91 ] : فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ . والبروج جمع برج ، وهو البناء القويّ والحصن : والمشيّدة : المبنيّة بالشّيد ، وهو الجصّ ، وتطلق على المرفوعة العالية ، لأنّهم إذا أطالوا البناء بنوه بالجصّ ، فالوصف به مراد به المعنى الكنائي . وقد يطلق البروج على منازل كواكب السماء كقوله تعالى : تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً [ الفرقان : 61 ] وقوله : وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ [ البروج : 1 ] . وعن مالك أنّه قال : البروج هنا بروج الكواكب ، أي ولو بلغتم السماء . وعليه يكون وصف مُشَيَّدَةٍ مجازا في الارتفاع ، وهو بصير مجازا في الارتفاع ، وهو بعيد . وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً ( 78 ) ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً ( 79 ) . يتعيّن على المختار ممّا روي في تعيين الفريق الذين ذكروا في قوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ من أنّهم فريق من المؤمنين المهاجرين أن يكون ضمير الجمع في قوله : وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ عائدا إلى المنافقين لأنّهم معلومون من المقام ، ولسبق ذكرهم في قوله : وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ [ النساء : 72 ] وتكون الجملة معطوفة عطف